ابن أبي مخرمة
260
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
لها ، ثم سار من فوره راجعا إلى بلده ، فبعث السلطان عبد الرحمن إلى ابن أخيه بشيء من المال يعطيه الفقيه يتزود به ، فلما أخبر الفقيه بذلك . . قال : لا حاجة لي بشيء إلا منك ، فالذي أريده منك كذا وكذا زادا ، وكذا وكذا من الحوائج ، فأخذ له حاجته بمبلغ زهيد ، فلما وصل منزله . . أبرك جمله على باب بيته ، ونزل منه ، فانعسفت رجله ، فلم يدخل إلى بيته إلا محمولا ، ومرض أياما ، ثم توفي على رأس ستين وست مائة « 1 » ، وتأمل فقهاء عصره تلك الحكومات التي استبرأ منها ، فوجدوه قد حكم في كلها بظاهر الشرع ، إلا أن الورع يتردد في صحتها باطنا . 3101 - [ علوان الجحدري ] « 2 » أبو منصور علوان بن عبد اللّه بن سعيد الجحدري ، ثم المذحجي نسبا ، الكردي لقبا . كان قيلا من أقيال اليمن ، وأوحد أعيان رؤساء الزمن ، شجاعا مقداما ، مطعاما مطعانا ، عزيز الجار ، رحيب الدار ، عفيف الإزار ، منيع الذمار ، ملك حجرا ونواحيها ، وتغلب على حصونها : العروسين ووعل والنويرة ونعمان شرقي الجند ، وحارب ملوك الغز ، فلم يظفروا منه بطائل . وكان شاعرا فصيحا ، وهو القائل أيام قتال المنصور : [ من البسيط ] من تاب عن حرب نور الدين من جزع * فإنني عنه ما عمّرت لم أتب فلما طال عليه الحصار من المنصور . . باع حصونه عليه بمال جزيل ، وأضمر المنصور أنه إذا نزل من الحصن . . أسره ، واستعاد منه ما قبض من المال ، فنزل متنكرا مع النساء ، وترك خلفه من يجهز ما في الحصن ويتبعه به ، وقد كتب له عدة علامات ، فصار النائب يكتب تحتها بما شاء إلى السلطان وغيره ، فلما فرغ ما في الحصن . . نزل نائبه ، ثم سئل عن الشيخ فقال : هو أول من نزل مع الحريم - كما نقل عن جوهر المعظمي حين باع الدّملوة على سيف الإسلام طغتكين بن أيوب « 3 » - ولم يزل المنصور يسعى في لزومه حتى اتفق له ذلك ، فأتي به إليه أسيرا ، فحبسه في حصن حب مدة ، فكان يدعو اللّه تعالى ويتضرع إليه خلف كل
--> ( 1 ) في « تاريخ شنبل » ( ص 98 ) ، و « جواهر تاريخ الأحقاف » ( 2 / 131 ) توفي سنة ( 662 ه ) . ( 2 ) « السلوك » ( 2 / 194 ) ، و « العقود اللؤلؤية » ( 1 / 138 ) ، و « طراز أعلام الزمن » ( 2 / 206 ) ، و « تحفة الزمن » ( 1 / 501 ) . ( 3 ) انظر ما نقل عن جوهر المعظمي في ترجمته ( 4 / 379 ) .